هل سبقَ وتساءلت عن الطريقة التي تحدد بها الشركات أسعار منتجاتها أو خدماتها؟، أو ما هو الأسلوب الذي تطوّر فيه الحكومات سياساتها لتؤثر على الحياة اليومية للأفراد؟. بالتأكيد تلك القرارات والأساليب مدروسة بشكلٍ جيد وليست عشوائية، بل يتم توجيهها باستخدام ما يُعرف بـ الاقتصاد التطبيقي Applied Economy.
الاقتصاد التطبيقي عمومًا هو دراسة مبادئ اقتصادية يتم تطبيقها على سيناريوهات أو مواقف محددة، وذلك بطريقة يتم فيها اختزال المفاهيم المجردة لأمثلة يمكن نقاشها وتطبيقها في مجتمع الأعمال عمومًا. في مقال اليوم، سنوضح مفهوم الاقتصاد التطبيقي وأهميته وقدرته على تفسير الأحداث في العالم الحقيقي.
تعريف الاقتصاد التطبيقي Applied Economy
يُعتبر الاقتصاد التطبيقي ممارسة عملية يتم من خلالها استخدام النظريات الاقتصادية لحل مشاكل وقضايا في العالم الحقيقي.
- يُقسم الاقتصاد عمومًا لفرعين اثنين: الأول هو الاقتصاد الأساسي والثاني هو الاقتصاد التطبيقي.
- يركّز الاقتصاد الأساسي على المفهوم النظري من خلال وضع النظريات والنماذج التي تصف كيفية عمل الاقتصاد، في حين يُعنى الاقتصاد التطبيقي Applied Economy بتطبيق النظريات والمفاهيم لمعالجة وحل المشكلات العملية.
- يُستخدم علم الاقتصاد التطبيقي من قِبل خبراء الاقتصاد لتحديد أسعار منتجات أو خدمات الشركات، بالإضافة لإدارة مواردها أو حتى التوسع في أسواق جديدة (قد يهمك أيضًا: أفضل نصائح الوصول لعملاء جدد في السوق).
- يساعد الاقتصاد التطبيقي الحكومات في وضع سياسات من شأنها التأثير على الرفاهية العامة، من الأمثلة عليها وضع برامج التوظيف أو حتى فرض الضرائب.
- يختزل الاقتصاد التطبيقي المفاهيم المجرّدة والنظرية ليحولها لأمثلة قابلة للنقاش والتطبيق في عالم الأعمال ككل.
- يقدم الاقتصاد التطبيقي عمومًا ما يلي:
- توفير تقديرات عددية.
- تفسير الأحداث في العالم الحقيقي.
- توفير هيكل لاستخلاص واستنباط النتائج.
- تصنيف المتغيرات.
- يشكّل الاقتصاد التطبيقي محور كل ما يحصل في المجتمع، حيث يساعد في تفسير النظرية الاقتصادية وتطبيقها في الحياة اليومية.
- باستطاعة الاقتصاد التطبيقي Applied Economy المساعدة في فهم المزيد عن الأسعار التي يتم دفعها، وكيفية عمل رسوم التوصيل على سبيل المثال، والسبب في كون الأشياء معروضة للبيع.
- ينعكس الاقتصاد التطبيقي إيجابًا على رواد الأعمال والمدراء، ليتمكنوا من الاستفادة من دروس الناتجة عنه.
- تتيح النظريات الاقتصادية التطبيقية اختبار الفرضيات وصياغتها.

استخدام مصطلح الاقتصاد التطبيقي تاريخيًا
يُعتبر الاقتصاد التطبيقي Applied Economy مفهومًا متغيرًا وكان قد اُستخدم بمجالات دراسية متنوعة، بحيث يعتمد على الفترة التي يشير إليها أو حتى المؤلف الذي كتب عنه.
بالمُجمل، لم يكن المصطلح ثابتًا، لذا من المهم فهم نطاق استخدامات الاقتصاد التطبيقي وسياقاته المتنوعة. أدناه، إليك بعض الاستخدامات الكلاسيكية لمصطلح Applied Economy في أواخر القرن العشرين:
- التركيبة السكانية.
- المحاسبة. (اقرأ أيضًا: أهم النسب والصيغ المحاسبية في مجال المحاسبة)
- التأمين. (اقرأ أيضًا: أفضل شركات التأمين الصحي في الإمارات)
- العلوم الاكتوارية (وهي علوم تستخدم الأساليب الكمية والإحصائية).
قد يهمك الاطلاع على: شرح مفهوم حلقة الموت في الاقتصاد التعريف والأسباب.
أهمية الاقتصاد التطبيقي وقيمته
يساعد علم الاقتصاد على تفسير ظواهر السوق والتي من بينها الركود الاقتصادي والتصحيحات، أو حتى أسباب ميل المستهلكين لشراء منتج أو خدمة ما. بالمُجمل واعتمادًا على ما سبق ذكره، يُعتبر الاقتصاد التطبيقي محور كل شيء والعنصر الأساسي لشرح مبادئ السوق ونقلها.
بفضل الاقتصاد التطبيقي، يمكن التعامل مع مشاكل العالم الحقيقي عبر جعل المفاهيم المجردة ملموسة. حيث غالبًا ما يكون فهم المفاهيم المجردة غير كافٍ. لذا ينبغي اختبارها وتطبيقها بشكلٍ عملي بما يساعد على فهم النظريات الاقتصادية ونقدها بفعالية.
من جهةٍ أخرى، يمكن للباحثين إضافةً إلى المستهلكين والاقتصاديين، استخدام النظريات الاقتصادية التطبيقية لاختبار المفاهيم الحالية، أو حتى لابتكار مفاهيم اقتصادية جديدة.
اقرأ أيضًا: مراحل إطلاق منتج في السوق الاقتصادية.
مزايا وخصائص الاقتصاد التطبيقي
جاء الاقتصاد التطبيقي بغية حل المشكلات الواقعية بما يساعد الشركات والمؤسسات على اتخاذ قرارات صحيحة، بطريقة تصب في تحسين توقعات السوق وتساعد أيضًا على التخطيط المالي. إليك إذًا أبرز مزايا الاقتصاد التطبيقي:
- حل المشكلات الواقعية: سيساعد الاقتصاد التطبيقي Applied Economy كل من الشركات والمؤسسات وحتى الحكومات والأفراد على اتخاذ قرارات جيدة وصحيحة.
- تعزيز استراتيجيات الأعمال: باستخدام الاقتصاد التطبيقي، يمكن للشركات أن توفر تعليم جيد حول المنافسة والربحية بالإضافة إلى التسعير.
- دعم صناعة السياسات: يساعد الاقتصاد التطبيقي الحكومات على فرض الضرائب، بالإضافة إلى توفير فرص العمل والرعاية العامة أيضًا.
- المساعدة في التخطيط المالي: بفضل ممارسات الاقتصاد التطبيقي، يسهل فهم مبدأ التضخم، بالإضافة لاستراتيجيات إدارة المخاطر والاستثمار.
- تحسين توقعات السوق: يقدم الاقتصاد التطبيقي بيانات حول الاتجاهات الاقتصادية، فضلًا عن احتياجات المستهلكين.
- فرص العمل: يمكن للأشخاص ممن يمتلكون خلفية معرفية في علم الاقتصاد التطبيقي سيما في حال وجود مهارات قيمة، أن يعملوا قي مجالات وقطاعات متعددة من بينها: التنمية الاقتصادية بالإضافة إلى التخطيط الاستراتيجي والاستشارات، فضلًا عن التحليل المالي والاقتصادي بالإضافة إلى البحث التطبيقي (قد يهمك أيضًا: ما هو مستشار الأعمال Business Coinsultant).
اقرأ أيضًا: شرح مفهوم السوق السوداء أو الاقتصاد الأسود: ما هو وما أنواعه.
المفاهيم الأساسية في الاقتصاد التطبيقي
باعتباره فرعًا من فروع علم الاقتصاد، يتضمن الاقتصاد التطبيقي Applied Economy مجموعة من المفاهيم الأساسية التي تساعد على حل المشكلات الواقعية ومنها:
- تكلفة الفرصة: تُعبّر تكلفة “الفرصة البديلة عن قيمة” أفضل بديل تالٍ عند اتخاذ القرار. بمعنى أن الوقت الذي يقضيه شخص ما في مشاهدة فيلم يعني أنه تخلى عن وقت كان بإمكانه استغلاله للدراسة أو للعمل. وعليه، فإن معرفة تكلفة الفرصة يساعد وبقوة في اتخاذ قرار صحيح وجيد لأن الشخص بهذه الطريقة سيفكر فيما تخلى عنه.
- التحليل الهامشي: يشير مصطلح التحليل الهامشي إلى دراسة الفوائد والتكاليف الإضافية لقرار ما. علمًا أن التحليل الهامشي يُستخدم لتحديد مستوى أمثل للنشاط عوضًا عن التفكير في الأشياء من منظور العدم أو الكل. مثلًا، قد تتساءل شركة معينة: “في حال أنتجنا وحدة إضافية هل يمكن للإيرادات الإضافية أن تغطي التكلفة الإضافية؟. وبناءً على هذا الأسلوب تضمن الشركة اتخاذ قرارات تفوق فيها الفوائد التكاليف.
- المرونة: تعبّر المرونة عن مدى استجابة متغير واحد ما للتغيرات في متغير آخر غيره. وعليه، يمكن للمرونة مساعدة الشركات فضلًا عن واضعي السياسات، في توقع كيفية تأثير التغيرات على السوق. تُعتبر مرونة الطلب السعرية إحدى الأمثلة الشائعة على المرونة. وهي تعبير عن مدى تغير الكمية المطلوبة بتغيّر السعر. مثلًا في حال ارتفع سعر القهوة، وعليه، قلل الناس استهلاكهم لها، سيكون الطلب مرنًا. أما في حال استمر الناس بشراء القهوة حتى بعد ارتفاع أسعارها، حينئذٍ يُعتبر الطلب غير مرن.
- كفاءة السوق: وهي مفهوم اقتصادي يتحقق عندما توزّع الموارد بأفضل طريقة ممكنة، الأمر الذي يضمن عدم الهدر، والذي بدوره يشير إلى استخدام الموارد بكفاءة. أحيانًا وعلى الرغم من ذلك، قد تفشل الأسواق والسبب في ذلك يعود لعوامل متعددة من بينها على سبيل المثال الاحتكار، أو حتى بعض العوامل الخارجية من بينها التلوث أو عدم تناسق المعلومات. هنا وفي مثل تلك الحالات، قد يكون تدخل الحكومات ضروريًا لتنظيم ومعالجة هذه المشكلات.
- الآثار الخارجية والسلع العامة: يُقصد بالتأثير الخارجي (تأثير قرار ما على أشخاص لا علاقة لهم بالقرار). مثلًا من الممكن أن يؤثر التلوث الناتج عن مصنع ما على سكان منطقة محيطة به. وهو ما ينطبق على السلع العامة كونها أشبه بالهواء النقي ومتاحة للجميع، سواء دفعوا ثمنها أم لا. وعليه، يلعب الاقتصاد التطبيقي Applied Economy دورًا مهمًا في توجيه تصميم السياسات من أجل إدارة الأمور التي لا تستطيع الأسواق التعامل معها بمفردها.
تطبيقات واقعية على الاقتصاد التطبيقي
من منّا لا يتذكر الأزمة المالية العالمية سنة 2008؟، تُعتبر هذه الأزمة مثالًا صارخًا على أهمية الاقتصاد التطبيقي ومدى تأثيره على أحداث العالم الحقيقي. وعليه، يُستخدم الاقتصاد التطبيقي في قطاعات ومجالات مختلفة ليضمن بذلك اتخاذ قرارات جيدة ومدروسة، مع ضمان تحسين النتائج. ومن أبرز التطبيقات الواقعية على ذلك:
- الأعمال: تعمد الشركات لاستخدام الاقتصاد التطبيقي Applied Economy لتحدد أسعار منتجاتها أو خدماتها، فضلًا عن تحليل الأسواق والتخطيط للاستراتيجيات.
- السياسات العامة: خلال جائحة كوفيد 19، استطاع الاقتصاد التطبيقي توجيه القرارات المتعلقة بعمليات الإغلاق، فضلًا عن توزيع اللقاحات وحزم التحفيز الاقتصادي. يُضاف إلى ذلك دور الاقتصاد التطبيقي في إرشاد السياسات البيئية من أمثلتها فرض الضرائب على الكربون، أو حتى دعم الطاقة المتجددة فضلًا عن تحقيق التوازن بين النمو والاستدامة. (اقرأ أيضًا: أهم التغييرات في عالم الاستثمار بعد كوفيد-19)
- الرعاية الصحية: يحسّن الاقتصاد التطبيقي من كفاءة تخصيص الموارد، فضلًا عن تسعير الخدمات الطبية بالإضافة إلى تصميم أنظمة التأمين.
- التمويل: يوجه الاقتصاد التطبيقي استراتيجيات الاستثمار كما أنه يدير المخاطر ويطور أيضًا القواعد المالية.
- التعليم: يقوم الاقتصاد التطبيقي بتقييم التكاليف والفوائد المترتبة على السياسات التعليمية المتنوعة، والغرض من ذلك هو تحسين فرص الوصول للتعليم وتحقيق النتائج.
- النقل: يُسهم الاقتصاد التطبيقي في التخطيط لمشاريع البنى التحتية، كما أنه يساعد على تحديد أسعار النقل العام، فضلًا عن تقليل الازدحام من خلال السياسة.
التوجهات المستقبلية في الاقتصاد التطبيقي
كغيره من المجالات والقطاعات المعاصرة، يتأثر الاقتصاد التطبيقي Applied Economy حتمًا بالتقنيات والتطور التكنولوجي. ولعلّ أبرز هذه الاتجاهات هو دمج تقنيات الذكاء الاصطناعي والبيانات الضخمة.
يلعب الذكاء الاصطناعي دورًا في تحليل مجموعات ضخمة من البيانات، كما أنه يحسّن عملية اتخاذ القرار فضلًا عن زيادة الإنتاجية. مثلًا تتكامل تقنيات AI مع الاقتصاد التطبيقي لتحسن بدورها من سلاسل التوريد، وتتنبأ باتجاهات السوق كما أنها قادرة على تخصيص تجارب المستخدمين.
لكن وعلى الرغم من كل الإيجابيات السابق ذكرها، قد تتشكل بعض التحديات أيضًا مثل فقدان الوظائف وعدم المساواة. مستقبلًا، سيكون التركيز منصبًا على الموازنة بين فوائد الذكاء الاصطناعي والآثار الاجتماعية الناتجة عنه.

أما من ناحية البيانات الضخمة، فإن تنامي الأخيرة يحدث ثورة حقيقية في كيفية تنبؤ الاقتصاديين وتشكيلهم للسياسات الاقتصادية. لأنه وبتحليل كميات ضخمة جدًا من البيانات الآنية ومن مصادر مختلفة -مثل وسائل التواصل الاجتماعي بالإضافة إلى المعاملات المالية وأجهزة انترنت الأشياء-، سيتمكن الاقتصاديون من التوصل لتنبؤات أكثر دقة وكفاءة.
يمكنك الاطلاع على سلسلة مقالاتنا:
- ما هو اقتصاد المعرفة وأهم الأمثلة عليه.
- ما المقصود بمصطلح الاقتصاد المخطط مركزيًا إيجابياته وأبرز عيوبه.
- ما الفرق بين الاقتصاد الخطي والاقتصاد الحلقي وأيهما أفضل؟.
- شرح مفهوم الاقتصاد المختلط وأبرز ميزاته.
في الختام:
يساعد الاقتصاد التطبيقي Applied Economy على توجيه الشركات والمؤسسات لتحديد أسعار خدماتها ومنتجاتها، والتعرف على مدى ملائمتها للسوق المستهدف، فضلًا عن دور الاقتصاد التطبيقي في وضع السياسات الاقتصادية سواء للشركات أو الأفراد أو حتى الحكومات.
يمكن القول أن الاقتصاد التطبيقي هو الجانب العملي للاقتصاد النظري، فهو يفسر النظرية الاقتصادية ويطبقها في الحياة اليومية. ومع التطور اليوم وخدمات الذكاء الاصطناعي، سيكون للاقتصاد التطبيقي وقع أهم وميزات أكبر.



