من المؤكد أنّك سمعتَ بمصطلح السوق السوداء، لكن هل لديك علم بتفاصيل هذا السوق؟. تُطلق تسمية الأسواق السوداء على الأنشطة الاقتصادية التي تتم خارج القنوات الحكومية، أي بشكلٍ غير قانوني حيث يتم تبادل السلع وإجراء ما يلزم من معاملات عبر قنوات غير مشروعة.
والغرض من ذلك التهرب من الضرائب الحكومية وضوابط الأسعار. ولعلّ السؤال الذي يتبادر لذهنك هل من سلع غير قانونية تباع وتشترى في الأسواق السوداء أو ما يعرف أيضًا بالأسواق الموازية؟ وما هي فوائد هذه الأسواق؟. سنجيبك في مقالنا لليوم عن كل استفساراتك. لذا تابع معنا القراءة حتى النهاية.
حول مفهوم السوق السوداء
تُعرف السوق السوداء أو الموازية بتسمية أخرى، بأنها نشاط اقتصادي خارج القنوات التي تسمح بها الدولة أو الحكومة يلجأ إليها الأشخاص والشركات ممن يتهربون من ضوابط الأسعار أو الضرائب التي تفرضها الحكومة.
علمًا أن السلع في الأسواق السوداء قد تكون إما قانونية لكن يتم التعامل معها بغية التهرب من الضرائب، أو أن تكون غير قانونية تحظرها الدولة بموجب القانون. وهو ما كان السبب في تسمية الأسواق السوداء بالأسواق غير القانونية. لهذا السبب، قد تجد في السوق السوداء أسلحة ومخدرات وتجارة حياة برية غير مشروعة، إلى جانب السلع العادية المعروفة والشائعة.
تجدر الإشارة إلى وجدو تأثير سلبي للسوق السوداء على الاقتصاد بشكلٍ عام نظرًا لعدم القدرة على تحصيل الضرائب من قبل الحكومة، إلى جانب عدم الإبلاغ عن الأنشطة التي تتم فيها.
لكن ذلك لا ينفي وجود بعض الفوائد من ضمنها خلق فرص العمل للأشخاص ممن لم يجدوا عمل لهم في الأسواق التقليدية. هذا بالإضافة لإمكانية الوصول للرعاية صحية أو الأدوية.
اقرأ أيضًا: ما هي السياسة المالية التوسعية وما مخاطرها.
كيفية عمل السوق السرية أو السوداء
تتعدّد أنواع السوق السوداء وسنتطرق لأنواعها في فقرة لاحقة، وبناءً على تنوعها فإن كل منها يعمل بطريقة مختلفة فمنها ما هو سوق مادي يتطلب لقاء بين شخصين لتبادل السلع غير القانونية، ومنها ما يتم عبر شبكة الانترنت أو ما يعرف بالويب المظلم Dark Web، وتتم هنا عمليات الدفع بالعملات الرقمية.
وسميّت الأسواق السوداء بهذا الاسم بحسب بعض النظريات لارتباط كلمة أسود بالظلام والليل أو للإشارة إلى أنها أسواق ما زالت مستمرة في بيع العبيد على الرغم من إلغاء العبودية، فيما تشير نظريات أخرى إلى ارتباط تسمية الأسواق السوداء بالجماعات الأنكارية.
علمًا أنه لا يمكن قياس حجم الأسواق السوداء بشكلٍ دقيق نظرًا لطبيعتها، لكن غالبية التقديرات تشير إلى أنه وفي البلدان النامية تشكّل الأسواق السوداء حوالي 36% من الناتج المحلي، في وقتٍ تشكل فيه نسبة 13% من الناتج المحلي للدول المتقدمة.
وبعد أن تعرفنا إلى مفهوم الأسواق السوداء بات بالإمكان الإجابة عن السؤال:
لماذا أُنشئت الأسواق السوداء؟
إن الغاية من وجود السوق السوداء هو السماح للناس بتبادل منتجات محظورة من قبل حكومتهم، بحيث لا يتم تسجيل معاملات البيع والشراء وبالتالي التهرب من الضرائب وغالبًا ما يلجأ إليها الناس ممن يحتاجون لكسب المال، إلا انهم ممنوعون من ذلك بطريقة أو بأخرى. كما أن بعض البلدان تحدد سقف للأسعار ما ينتج عنه نقص في السلع، ليكون ذلك سببًا إضافيًا للتوجه لهذه الأسواق.
ومن الأسباب الأخرى وراء ظهور السوق السوداء هو ارتفاع معدلات البطالة بشكل كبير، الأمر الذي يدفع عدد كبير من الأشخاص للبحث عن عمل مهما كان. لكن ومن جهةٍ أخرى، يدخل أناس آخرون للأسواق الموازية أو السوداء كونهم لم يستطيعوا تحمل تكاليف استثمار الأموال والتراخيص.
ظهور الأسواق السوداء
ظهرت السوق السوداء أثناء الحرب العالمية الثانية وكان ذلك عند فرض الدول قيود على أهم الموارد الأساسية الضرورية للحياة البشرية ومن بينها الغذاء، إلى جانب منتجات أخرى كالمعادن والمطاط والبنزين.
كما قامت تلك الحكومات بتطبيق نظام الحصص والذي كانت غايته توفير حصص عادلة من الغذاء للجميع. كانت تلك العوامل سببًا في دخول الناس ضمن أنشطة غير قانونية ومن أمثلتها البيع والشراء ضمن السوق السوداء. لتبلغ هذه الأنشطة ذروتها خلال الحرب العالمية الثانية مع فرض الدول بغالبيتها نظام الحصص إضافةً لمراقبة الأسعار.
ميزات الأسواق السوداء
حتى مع كل العيوب التي ترتبط بمفهوم الأسواق السوداء إلا أن هناك بعض النواحي الإيجابية للأشخاص المشاركين بها، ومنها:
- تلبية الطلب: يمكن للأسواق السوداء أن تلبي الطلب على الخدمات إضافةً للسلع غير الموجودة في الاقتصاد القانوني، نتيجة القيود أو مشكلات العرض.
- الدخل وفرص العمل: توفر الأسواق السوداء فرص عمل وتوظيف سيما في مناطق ترتفع بها معدلات البطالة أو مناطق تحت سلطة القانون، إلا أنها لا توفر فرص عمل كبيرة.
- مراقبة الأسعار: من الممكن أن تساعد الأسواق السرية في مراقبة الأسعار والتحكم بها في الاقتصادات عندما ترتفع التكاليف في الأسواق الحكومية بالنسبة للمستهلك العادي. ومن جهةٍ أخرى تسهم المنافسة داخل السوق السوداء أيضًا في المحافظة على الأسعار بشكلٍ عام تحت السيطرة.
- ريادة الأعمال والابتكار: توفر الأسواق السوداء مساحة لريادة الأعمال من أجل ابتكار أفكار جديدة ونماذج أعمال خلاقة، خاصةً في وقت تخضع فيه الأسواق القانونية لقوانين صارمة.
- تسهيل التجارة في الأوقات الصعبة أو الحروب: في حالة الحروب أو الانهيارات الاقتصادية، تساعد الأسواق السوداء على تسهيل تجارة السلع الرئيسية للحماية من أية أنظمة قمعية.
عيوب الأسواق السوداء
فيما يلي سنوضح لك أهم العيوب والنواحي السلبية التي تنطوي عليها الأسواق السوداء:
- خسارة الإيرادات الضريبية: تتأثر الحكومة بالأسواق السوداء لأنها غير قادرة على تمويل الخدمات العامة في ظل عدم الإبلاغ عن معاملات مالية تتم في الأسواق السوداء، ما ينتج عنه خسائر في عائدات الضرائب. وبالمجمل يعوق ذلك من أي تنمية اقتصادية شاملة.
- انخفاض معايير السلامة والجودة: وذلك لعدم خضوع البضائع والسلع في الأسواق السرية لرقابة تنظيمية ما قد ينتج عنه بيع بضائع مقلدة أو مغشوشة، وهو ما قد يضر أيضًا بصحة وسلامة المستهلك.
- الجريمة والفساد: ترتبط الأسواق السرية بالجرائم المظلمة ما ينتح عنه عنف وعدم استقرار، هذا فضلًا عن تعزيز الفساد ضمن المؤسسات العامة وتقويض من فرض القوانين.
- تشويه السوق: يمكن للأسواق السوداء أن تزعزع التوازن بين العرض والطلب، ما ينتج عنه تسعير السلع والخدمات والبضائع بشكلٍ غير دقيق، وبالتالي تشويه الاقتصادات والتأثير على صحتها بشكلٍ عام.
- تقويض الأعمال القانونية: وذلك بسبب عرض الأسواق السوداء لسلع ومنتجات مماثلة دون أن تلتزم بالضرائب واللوائح القانونية، وبالتالي يمكنها البيع بأسعار أقل. أي بالمجمل خلق منافسة غير عادلة تضر بالتجارة المشروعة.
- التفاوت الاجتماعي: حتى مع ما توفره السوق السوداء من فرص للدخل، إلا أنها مكان لاستغلال الفئات الضعيفة ومن الأمثلة على ذلك استخدام عمال بأجور منخفضة، وغياب الحماية القانونية ما يزيد من الظلم والتفاوت الاجتماعي.
- عدم الاستقرار السياسي: تقوض الأسواق السوداء من الاستقرار السياسي كما أنها تسبب مشاكل دبلوماسية، خاصّة في حالة أعمال التهريب والمخدرات ما يوتر العلاقات بين الدول وتعيق معالجة القضايا العالمية. قد يهمك أيضًا: العلاقة بين النفط ونزاعات الشرق الأوسط.
تأثير الأسواق السوداء على الاقتصاد
تُعتبر الأسواق السوداء أسواقًا سرية، لذلك تمتلك تأثير سلبي على الشركات الشرعية والقانونية والتي لا يمكنها أن تنافس بأسعار منخفضة جدًا على السلع. لهذا السبب، يلجأ بعض الباعة غير القانونيين لخلق حالة من النقص في الخدمات والمنتجات القانونية. وبهذه الطريقة يجبرون الناس على الشراء منهم من السوق السوداء.
من جهةٍ ثانية، تتم جميع معاملات السوق السوداء بطريقة غير قانونية ودون الحصول على موافقة الحكومات ولا وجود للضرائب أيضًا، الأمر الذي يؤثر بشكل سلبي على عائدات الحكومات حيث لا يتم ذكر النشاط الاقتصادي في الأسواق الموازية ضمن الإحصاءات، وهو ما يقلل أيضًا من قيمة الناتج المحلي الإجمالي للبلد.
في السابق، كانت جميع أنشطة الأسواق السوداء تتم باستخدام النقود، ما يعني عم وجود أثر ورقي. لكن بعد ظهور الانترنت أصبحت غالبية معاملات الأسواق الموازية تتم عبر شبكة الانترنت. ومن أمثلتها Dark Web أو الويب المظلم وغالبًا ما تجرى هذه المعاملات باستخدام العملات المشفرة. (يمكنك أن تطّلع على: خطر التهديدات السيبرانية على الاستقرار المالي).
وبناءً على ذلك، قد تلحق الأسواق السوداء ضررًا كبيرًا جدًا بالاقتصاد، كونها أسواق ظل لا تتضمن دفع ضرائب أو تسجيل أنشطة اقتصادية. ومن ناحية أخرى هناك جانب الاحتيال إضافةً لإمكانية العنف والحصول على منتجات مغشوشة أو مقلدة، وهو ما يُعتبر أمرًا في غاية الخطورة سيما إن كانت المنتجات دوائية.
هل من الممكن أن تسيطر الحكومة على السوق السوداء؟
لا يمكن للحكومات أن توقف عمل وأنشطة الأسواق السوداء لأن ذلك أشبه بالمستحيل. سيما مع عرض منتجات وسلع غبر قانونية إلى جانب سلع أخرى مثل الأحذية والملابس والإكسسوارات.
وفيما مضى، كانت كل المعاملات تتم بشكل نقدي لكن اليوم باستخدام العملات الرقمية ما يصعب المسألة أكثر (ننصحك بقراءة مقالنا: ما هي كازينوهات التشفير وكيف تعمل؟). علمًا أنه وفي بعض الدول مثل الولايات المتحدة الأمريكية قامت الحكومة بملاحقة ومنع دخول أية سلع غير مشروعة. لكن ذلك لا يكفي بالطبع مع وجود الويب المظلم.
يمكنك أن تقرأ أيضًا: ما الفرق بين الاقتصاد الخطي والاقتصاد الحلقي وأيهما أفضل؟.
أنواع الأسواق السوداء
كما أشرنا في فقرات سابقة تعتبر الأسواق السوداء أو السرية مكانًا لتبادل سلع خطيرة أو غير مشروعة أو حتى مزيفة، وفيما يلي سنبين لك أنواع السوق السوداء:
- سوق الاتجار بالبشر: والمقصود به هنا الأشخاص ممن يجبرون الناس على العمل قسريًا بنواحٍ لا أخلاقية أو سوق الأعضاء البشرية، حيث كشفت أبحاث أجريت عام 2021 عن وجود ما يزيد عن 40 مليون إنسان تحت نير العبودية الحديثة حول العالم بنسبة 1 إلى أربعة من الأطفال. حيث تحقق هذه التجارة أرباحًا تبلغ ما يقارب 150 مليار دولار سنويًا.
- السلع المقلدة: ولعلها أكثر أنواع السلع نشاطًا في الأسواق السوداء، حيث يسبب هذا النوع من الأسواق تقليص للأرباح التي يجنيها المصنعون الشرعيون للسلع، إلى جانب تقليل الثقة في السوق بشكلٍ عام.
- تجارة الحياة البرية وقطع الأشجار بالإضافة إلى التعدين غير القانوني والمقامرة والرهانات غير القانونية.
- سوق المال: تعتبر الأسواق المالية السوداء شائعة جدًا في الدول التي تضع شروط وضوابط صارمة على العملات. أما على صعيد العملات غير المشروعة، فهي أيضًا شائعة في البلدان التي تعاني من ضعف في أساسيات الاقتصاد إلى جانب الضوابط الصارمة على العملات، حيث ترتفع مثلًا معدلات التضخم فيها وننخفض قيمة احتياطات العملة. كما تواجه أيضًا ثبات في سعر الصرف ما يعني ربط العملة المحلية للبلد بمستوى مرتفع بالدولار الأمريكي مثلًا، أو بأية عملة أخرى وبطريقة غير واقعية. ومن الأمثلة على هذه الأسواق السوداء تلك الموجودة في إيران وفنزويلا والأرجنتين.
- تجارة الماس في سيراليون وتجارة قرون وحيد القرن.
هل تعتبر الأسواق السوداء ضرورية؟
إن الإجابة على هذا السؤال نسبية، مثلًا قد يضطر بعض الأشخاص للجوء للأسواق السوداء كالحاجة لمنتج غذائي أو دوائي ضروري لا يتوفر في الأسواق القانونية. لكن بالطبع فإن المعاملات في السوق السرية أو السوداء لا توفر للمشتري أي إنصاف في حال كان المنتج يحتوي على عيب ما، ومن الممكن أن يواجه المشتري عقوبة السجن أو التوقيف تمامًا كما يحدث مع البائع.
يعتبر طريق الحرير الشهير من أبرز الأمثلة على السوق السوداء التي اعتمدت التكنولوجيا الحديثة، وهو عبارة عن سوق رقمي عرف باستخدامه لعملة البيتكوين المشفرة في عمليات غسل الأموال، إلى جانب المعاملات غير القانونية المرتبطة ببيع الأسلحة والاتجار بالمخدرات.
بدأ هذا السوق عام 2011 وتم إغلاقه عام 2013 حيث تم إيقافه من قبل مكتب التحقيقات الفيدرالي الأمريكي نظرًا لبيع هذا السوق عدد من السلع غير القانونية، إلا أنه استطاع أن يحقق مبيعات وصلت لحدود المليار دولار أمريكي.
وذلك عبر الربط بين حوالي 4000 تاجر مخدرات مع ما يصل إلى 100000 مشتري بطريقة مكّنت أي شخص من شراء ما يحلو له سواء مخدرات أو أسلحة أو حتى قتلة مأجورين، وهو ما كان السبب في إطلاق تسمية “أمازون الويب المظلم” عليها. حيث كان الرجل الذي يقف وراء هذه السوق يدعى أولبريخت ونتيجة البحث عن اسمه بكثرة، تم إلقاء القبض عليه وإغلاق السوق وحُكم عليه بالسجن المؤبد.
في الختام:
تشكّل السوق السوداء طريقًا لبيع وشراء السلع والخدمات غير القانونية والتهرب من ضرائب وضوابط الحكومات، ما يجعلها ذات تأثير سلبي على الاقتصاد وبنفس الوقت قد تكون أحيانًا الخيار الوحيد لأناس مضطرين للحصول على سلعة ضرورية غير متوفرة في الأسواق القانونية.