الاقتصاد المخطط مركزيًا أو الاقتصاد الشيوعي أو ما يعرف أيضًا بالموجّه أو القيادي في بعض الأحيان، جميعها تسميات أُطلقت على الأنظمة الاقتصادية التي يتم فيها اتخاذ قرارات اقتصادية من قبل الحكومة فيما يتعلق بإنتاج وتوزيع السلع ضمن بيروقراطية تُدار بشكلٍ مركزي.
وهو ما يعتبر الفرق الرئيسي بين هذا النوع من الاقتصاد المركزي وبين اقتصادات السوق التي تتم إدارتها كليًا أو جزئيًا من قبل مجموعة كبيرة من المستهلكين الأفراد، وحتى الشركات الخاصة التي تسعى للربح.
وبالمجمل، يرتبط مفهوم التخطيط المركزي عادةً بالحكومات الاشتراكية أو الشيوعية، كما قد تلجأ بلدان أخرى لهذا النوع من الاقتصاد في حالات طارئة كالحرب على سبيل المثال. سنتعمق أكثر في الاقتصادات المخططة مركزيًا في مقالنا تابع معنا عزيزي القارئ.
لمحة عن الاقتصاد المخطط مركزيًا
يُعتبر الاقتصاد المخطط مركزيًا أو ما يعرف بالاقتصاد الموجه نظام اقتصادي تُنتج فيه السلع والخدمات من قبل شركات ومؤسسات تابعة للدولة. بمعنى أن الحكومات هي المسؤولة عن اتخاذ القرارات الاقتصادية فيما يرتبط بكيفية الإنتاج والتوزيع.
علمًا أنه وفي بعض الأحيان قد يتم دمج بعض الشركات المستقلة ضمن التخطيط الاقتصادي، وبالمجمل ونتيجةً لذلك تُحدد الأسعار وجداول الإنتاج إضافةً إلى الأجور من قبل بيروقراطية مركزية (البيروقراطية هي سلطة المكاتب).
ومن جهةٍ أخرى، يسمح تخطيط الاقتصاد المركزي للحكومات أن تحشد موارد مجتمعها في سبيل تحقيق أهداف وغايات من الممكن ألا تكون قوى السوق وحدها قادرة على تحقيقها. ولهذا السبب، كان هناك ارتباط وثيق بين كل من الحكومات الاشتراكية والشيوعية أي الماركسية اللينينية، وبين هذا النوع من الاقتصاد المخطط.
وللتوضيح أكثر:
اعتمد الاتحاد السوفييتي إلى جانب كل من كوريا الشمالية وألمانيا الشرقية الاقتصاد المخطط مركزيًا ، حيث كانت أنشطة السوق في هذه البلدان محدودة جدًا وهو ما جعل حكومات هذه البلاد توجه نشاطها الاقتصادي عبر شركات ومؤسسات تتبع بملكيتها للدولة.

لكن وبعد انتهاء الحرب العالمية الثانية، اتجهت العديد من البلدان الاشتراكية لتبني الاقتصاد الموجه أو المخطط مركزيًا سعيًا منها لتركيز الموارد على أولويات الحكومة التي من الممكن ألا تخدمها قوى السوق بشكلٍ كافٍ. سيما مع معارضة هذه الدول -وفق الإيديولوجيا التي تنتهجها- لأية مشاريع خاصة. لذا مكّن التخطيط المركزي في القضاء على طرق الإنتاج الرأسمالية.
من جهةٍ أخرى، تلجأ بعض الدول للاقتصاد المخطط مركزيًا في حالات طارئة حتى وإن لم تكن أنظمتها اشتراكية أو شيوعية، ومن الأمثلة على هذه الحالات نذكر لك الحروب أو حدوث طوارئ وطنية. كما فعلت عدد من البلدان خلال الحربين العالميتين بغية السيطرة على أسعار السلع الأساسية ومنع النقص.
لكن اليوم، بات انتشار الاقتصاد الموجه أو المخطط مركزيًا محدودًا، نظرًا لتدخل القطاع الخاص بنشاطات اقتصادية كبيرة مثل ما يحدث في كوريا الشمالية التي اشتهرت باقتصادها الموجه.
داعمو الاقتصاد الموجه أو المخطط مركزيًا
لأن الاقتصاد المخطط مركزيًا يقوم على مبدأ تولي الحكومة لملكية وسائل الإنتاج وإدارة الاقتصاد لخدمة مصالح العمال، فإن ذلك يتطابق تمامًا مع الأساس النظري لعمل كارل ماركس (الاشتراكية) سيما مع القدرة التي يتمتع بها الاقتصاد الموجه في التغلب على الفشل في السوق، إضافةً إلى تحقيق المساواة في توزيع السلع.
وبحسب الأشخاص ممن يتبنون نظرية التخطيط المركزي في الاقتصاد، فإن هذه الطريقة تقضي على الاحتكار. حيث يعتبر هؤلاء أن القرارات الاقتصادية في حال تُركت للأسواق الحرة سترفع من مستوى الاحتكارات التي تستغل بدورها المستهلكين.
ويعتبر تبني التخطيط المركزي للاقتصاد معاكس تمامًا للرأسمالية، أي امتلاك ممتلكات خاصة كون الرأسمالية تقوم على كسب المال عبر استغلال عمل الآخرين، في حين يسمح الاقتصاد المخطط مركزيًا بتوزيع السلع بشكلٍ عادل للكل دون استثناء وليس فقط للطبقة الرأسمالية.
وفي هذا الصدد، كان الاتحاد السوفييتي يعلن عادةً عن خطط خمسية -ممتدة لخمس سنوات- يتم من خلالها وضع أهداف للإنتاج، حيث أنه وبعد الحرب العالمية الثانية أي بين العامين 1928 و1940، اكتسب هذا النوع من الخطط نجاحًا ملحوظَا كونها مكّنت من توسيع الإنتاج الصناعي للاتحاد السوفييتي ليحقق معدلات نمو اقتصادي سريعة جدًا. ومن بين الدول الأخرى التي تبنت الاقتصاد المخطط مركزيًا: كل من الصين وذلك حتى أواخر فترة التسعينات، إلى جانب كوبا.
ننصحك بقراءة مقالنا: ما الفرق بين الاقتصاد الخطي والاقتصاد الحلقي وأيهما أفضل؟.
ما هي سمات التخطيط المركزي للاقتصاد؟
يتسم الاقتصاد المخطط مركزيًا بمجموعة من السمات أهمها:
- تتبع الملكية للحكومة.
- تُتّخذ القرارات المرتبطة بإنتاج السلع وكيفية إنتاجها وكيفية توزيعها على المستوى الوطني البيروقراطي.
- تُحدد الأسعار عادةً من خلال ضوابط للأسعار وليس من خلال قوى السوق.
- يتم توزيع السلع حسب ما يسمى بدفتر التموين.
- عادةً ما يتم التخطيط للإنتاج قبل 5 أو 10 سنوات.
- يتطلب هذا النوع من الاقتصاد مستويات أكبر وأكثر من البيروقراطية، من أجل أمور إدارة وتخطيط القرارات الاقتصادية.
- قد يعاني الاقتصاد الموجه من قلة الكفاءة نتيجة الافتقار للحوافز.
- قد يشوبه الفساد أحيانًا بسبب سلطة البيروقراطيين.
- يحتاج هذا النوع من الاقتصاد لمستوى من الرقابة والسيطرة السياسية.
إيجابيات وسلبيات الاقتصادات المخططة مركزيًا
بعد أن وضحنا لك مفهوم الاقتصاد المخطط مركزيًا، دعنا نأخذك بجولة سريعة حول أهم إيجابيات وسلبيات هذا النوع من الاقتصاد:
التخطيط المركزي للاقتصاد |
|
الإيجابيات |
السلبيات |
تشجيع الإنتاج الكبير والضخم: لأن الحكومة تهدف لتعظيم الإنتاج مع استخدام الموارد بأدنى حد، ما يؤدي بدروه لإنتاج فعال واسع النطاق. | ظهور أخطاء في اتخاذ القرارات: نتيجة البطء في اتخاذ القرارات من قبل الحكومات التي تنتهج التخطيط المركزي في الاقتصاد، كونها تهتم برفاهية المجتمع والشعب على حساب أرباح الشركات ما ينتج عنه انخفاض في الكفاءة. |
توزيع الثروة والدخل بشكلٍ عادل ومتساوي: بمعنى أنه لا وجود لفجوة كبيرة في الثروة بين طبقتي الفقراء والأغنياء، لأن الحكومة هي من تحدد كيفية توزيع الثروات والدخل لضمان مجتمع أكثر عدلًا. | قلة الحافز والدافع للعمل: والسبب في ذلك غياب كل من المنافسة والملكية الفردية، ما يؤدي بدوره لانخفاض الدافع لدى المنتجين لأن الإنتاج مُقاد بتعليمات الحكومة ما قد يسبب بطء في التقدم. |
الإنتاج دون منافسة: والسبب أن الحكومة هي من تحدد أهداف الإنتاج وهي المسؤولة عن تنسيق الأنشطة، الأمر الذي يلغي المنافسة بين جهات الإنتاج. | قلة التطور والابتكار في التكنولوجيا: نتيجة قلة المنافسة ما يقلل بدوره من التقدم وينعكس على شكل تطور تكنولوجي بطيء. |
استخدام الموارد بفعالية وتقليل الهدر: من خلال تحقيق المنفعة العامة للكل مع كفاءة استغلال الموارد، حيث يتم التقليل من الهدر الناتج عن المنافسات غير الصحية نتيجة السياسة المتبعة في عدم تخصيص الموارد لفئات محددة من المجتمع فقط. | تقييد حرية الاختيار الفردي: والسبب في ذلك محدودية الملكية الفردية وخضوع الأنشطة الاقتصادية لسيطرة الحكومة، حيث ينبغي على جهات الإنتاج الالتزام بتوجيهات الحكومة. |
الاستقرار الاقتصادي: تكون البطالة قليلة جدًا أو شبه معدومة الأمر الذي يخلق نوع من الاستقرار الاقتصادي. | انعدام الكفاءة في تخصيص الموارد: لأن الاقتصاد المخطط مركزيًا يولي الموارد البشرية أولوية على الكفاءة، ما يلغي بدوره الكفاءة في تخصيص وتوزيع الموارد. |
الأولوية للسلع العامة أو الاجتماعية: خاصة وأن القرارات الاقتصادية تحدد من قبل الحكومة لذا يتم التركيز بشكل أكبر على تأمين السلع العامة التي تفيد وتنفع المجتمع ككل. | غياب الجهد الفردي: لأن الحكومة هي المسؤولة عن تحديد ما سينتج والكمية حسب الطلب والرفاهية المجتمعية ما يقلل بدروه من الجهود الفردية. |
القضاء على التأثيرات السلبية الخارجية والأنشطة غير القانونية: مثل التلوث ومشاكل الازدحام المروري بطريقة تخلق من خلالها الحكومات بيئة منظمة وكأثر تحكمًا. | انعدام المنافسة: ما يقلل بدروه أي تطور للأفكار ويحدّ من جودة وتنوع الخدمات والسلع، لأن الحكومة تحدد تقنيات الإنتاج إضافةً إلى الأجور بشكلٍ مسبق. اقرأ أيضًا: فهم المنافسة في السوق وأهمية تحليل المنافسين. |
هل من مشاكل تواجه التخطيط المركزي للاقتصاد؟
الإجابة هي نعم، يعاني الاقتصاد المخطط مركزيًا من مجموعة من المشاكل والعقبات ومن ضمنها:
- ضعف تنبؤ الحكومات بالاتجاهات المستقبلية.
- انعدام الحوافز في حال التأكد من أن الدخل مضمون.
- صعوبة الاستجابة للفائض أو للنقص سيما وأنه اقتصاد يفتقر للمرونة.
- يعتبر من أكثر أنواع الاقتصادات التي تعاني من الفساد.
- يقوم الناس بتحقيق الأهداف لمجرد تحققها وليس من أجل تحقيق غابة تلبية الاحتياجات.
أشهر الأمثلة على الاقتصادات المخططة مركزيًا
كما أشرنا في الفقرات السابقة، فإنه غالبًا ما ارتبط الاقتصاد المخطط مركزيًا بالدول التي اتبعت النظام الشيوعي مثل أوروبا الشرقية والاتحاد السوفييتي. أما في الوقت المعاصر فتعتبر كل من كوبا والصين وبعض دول آسيا من البلدان التي لا زالت تعتمد التخطيط المركزي للاقتصاد. حيث تعمل حكومات هذه الدول كجهة إنتاج وتوزيع وصاحبة للعمل الرئيسي لكل قطاعات الاقتصاد بشكلٍ تقريبي.
لكن في بداية الثمانينيات من القرن العشرين، تخلت جميع البلدان التي ذكرناها عن التخطيط المركزي واعتمدت النموذج الرأسمالي أو ما يطلق عليه أيضًا اسم الاقتصاد المختلط. أما في الصين، اتجهت الدولة لخصخصة أصولها ودعم تدفق الاستثمارات الأجنبية، ما أدى بدوره لنمو اقتصادي كبير وسريع جدًا مع المحافظة على درجة لا بأس بها من التخطيط الاقتصادي.
في حين يمكن القول أن كوريا الشمالية هي الدولة الأبرز حاليًا التي لا زالت تحافظ وبقوة على الاقتصاد الموجه أو المخطط مركزيًا مع فسح المجال بشكلٍ ضئيل جدًا لنشاط السوق السوداء.

اتخاذ القرارات الاقتصادية في الاقتصاد المخطط
تٌتّخذ القرارات الاقتصادية الهامة في الدول التي تقوم على النظام الاقتصادي المخطط مركزيًا من خلال هيئات السياسية وإدارية. حيث يقوم المسؤولون المحليون بإبلاغ السلطة المركزية بالحاجات والقدرات والتي بدورها تقوم باستخدام هذه المعلومات لتنشئ خطة اقتصادية وطنية. علمًا أن الخطة الاقتصادية هذه قد تمر بمجموعة جولات من المراجعة قبل أن يتم تقديمها للحكومة أو حتى للهيئة التشريعية.
وجب التنويه هنا إلى أن العديد من الدول الاشتراكية قد قامت بدمج المشاريع الخاصة بالإضافة إلى إشارات أسعار السوق ضمن الأنظمة الاقتصادية الخاصة بها. على سبيل المثال نذكر لك الاشتراكية السوقية في يوغوسلافيا سابقًا، بالإضافة إلى اقتصاد السوق الاشتراكي في دولة فيتنام. إلى جانب الإصلاحات الاقتصادية في جمهورية الصين الشعبية في عهد دينج شياو بينج.
قد يهمك أيضًا: النمو غير المتكافئ في الاقتصاد العالمي مشاكل وتحديات الفترة المقبلة.
ما الفرق بين الاقتصاد المخطط مركزيًا واقتصاد السوق الحرة؟
سنوضح لك في الجدول التالي أهم الفروقات بين التخطيط المركزي للاقتصاد وبين اقتصاد السوق الحر:
عامل المقارنة |
اقتصاد مخطط مركزي |
اقتصاد السوق الحرة |
دور الحكومة | سيطرة كاملة للحكومة على عملية اتخاذ القرارات الاقتصادية من سلع وخدمات وأسعار وتوزيع. | تدخل الحكومة يكون ضئيل حيث يقتصر دورها على إنفاذ العقود إضافةً إلى حماية حقوق الملكية، والحفاظ على النظام والقانون. |
قوى السوق | لا تمتلك قوى السوق دور يذكر مثل العرض والطلب، لأن الحكومة تخصص مواردها وفق خطة مركزية وهي من تحدد حصص الإنتاج والأسعار. | يتم تحديد الإنتاج وكميته وسعره بالاعتماد على العرض والطلب. علمًا أن الأسعار تُحدد بحرية من قبل السوق حسب المنافسة وبناءً على ذلك يتم تخصيص الموارد. |
ملكية الموارد | تعود ملكية غالبية الموارد للدولة مثل الأراضي والمصانع والشركات، في حين تُلغى الملكية الفردية أو يتم تقييدها بشكلٍ كبير.
|
تعود ملكية غالبية الموارد مثل الأراضي ورأس المال والعمالة للقطاع الخاص، في حين يقوم كل من الأفراد والشركات باتخاذ القرارات المتعلقة بالإنتاج والاستهلاك. |
الحوافز | يتم تشغيل الاقتصاد عبر أهداف الحكومة أي أنه لا وجود لدوافع الربح. حيث تعطي الحكومة الأولوية للمساواة أو الرفاهية الاجتماعية أو النمو الصناعي وذلك على حساب الربح والكفاءة. | يتم تحفيز الأفراد والشركات من خلال الربح والمصلحة الذاتية. هذا بالإضافة لدور المنافسة في التشجيع على الابتكار وتحسين الجودة والكفاءة. |
الاختيار | يكون الاختيار الفردي محدودًا نظرًا لقلة خيارات المستهلكين، والسبب في ذلك أن الحكومة هي من تحدد ما سيتم إنتاجه حيث يُكلّف العمال بوظائف حسب احتياجات الخطة. | يمتلك المستهلك والمنتج حرية اتخاذ القرارات الاقتصادية، لأن المستهلك يمكنه شراء ما يريد والمنتج باستطاعته أن يقرر ما يريد إنتاجه وبالسعر الذي يختاره. |
مميزات |
|
|
عيوب |
|
|
المثال | اقتصاد كوريا الشمالية والاتحاد السوفييتي سابقًا. | اقتصاد الولايات المتحدة الأمريكية وهونج كونج اللذات يعتمدان وبدرجة كبيرة على مبادئ السوق الحرة. |
في الختام:
يقوم الاقتصاد المخطط مركزيًا أو الموجه على السلطة المركزية كالحكومات والهيئات من أجل اتخاذ القرارات الاقتصادية، كإنتاج وتوزيع وتسعير السلع والخدمات. لكن ذلك جعل هذا النوع من الاقتصاد عرضة لانتقادات شديدة، ما كان السبب في تحول غالبية البلدان التي تعتمد الاقتصاد المخطط بشكلٍ مركزي إلى اقتصاد مختلط.